سياسة

إسبانيا: أكثرمن 100 يوم بدون حكومة

تعتبر يمقراطية إسبانيا ديمقراطية حديثة مقارنة بالديمقراطيات العتيقة والمتجدرة في أوروبا، ولكن رغم ذلك فقد أظهرت قوتها وتماسكها في عدة منعرجات سياسية خطيرة في السابق، وبالخصوص إنقلاب 23 فبراير 1981 الذي كاد يعصف بدولة المؤسسات وكل ما تم التوافق حوله بين مؤسسة فرانكو (Franco)العسكرية والملك خوان كارلوس من جهة والقوى السياسية المعارضة آنذاك.

واليوم إسبانيا تجتاز إمتحانا آخر للديموقراطية النيابية في ظل ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، بحيث أن اتخاذ القرارات السياسية للبلاد هي من صلاحيات الحكومة وليست من صلاحيات الملك.
فمنذ الإعلان عن نتائج الإنتخابات العامة الأخيرة مساء يوم 20 ديسمبر 2015 إسبانيا تعيش تحت قيادة حكومة التصريف فقط، والتي لا يحق لها اتخاذ أي قرار سياسي.. ولم يتم تشكيل حكومة جديدة لحد اليوم بسسب عدم توفرأغلبية حكومية داخل البرلمان.
نتائج الإنتخابات العامة الأخيرة حصل فيها الحزب اليميني الوسطي الحاكم وهو الحزب الشعبي (PP) على 123 مقعد فقط، وحصل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) على 90 مقعد فقط، والمفاجأة كانت هي حصول أحزاب حديثة التكوين على نتائج مبهرة تزعزعت من خلالها الثنائية الحزبية التقليدية التي تناوبت على الحكم منذ بداية الإنتقال الديموقراطي في إسبانيا، حيث حصل حزب <قادرون> (Podemos) على 69 مقعد وهو حزب جديد يجمع الطلبة اليساريين في الجامعات والمواطنين الغاضبين المنظمين في هيئات المجتمع المدني والفئاة الاجتماعية المتضررة من سياسة التقشف الحكومية .. (وللإشارة فهو حزب يدعم الانفصاليين في الصحراء المغربية ولا ندري إلى أي حد سيكون تأثيره على قرارالحكومة الإسبانية في ما يتعلق بالقضية في حالة ما إذا شكل الحكومة مع الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني) .. كما حصل حزب جديد آخر على 40 مقعد وهو حزب <مواطنون> (Ciudadanos) وهو حزب يميني وسطي كان حزبا جهويا على مستوى كاطالونيا وتوسع بعد ذلك ليصبح حزبا على المستوى الوطني ويقتسم أصوات اليمين الوسطي مع الحزب الشعبي الذي يعاني من الفساد السياسي والمالي داخل صفوفه .. هكذا توزعت مقاعد مجلس النواب الإسباني ـ والتي يصل عددها 350 مقعد ـ بين أربعة أحزاب أساسية والمقاعد الباقية توزعت بين أحزاب صغيرة أغلبها جهوية.

ويبدو أن المفاوضات بين الأحزاب السياسية لتشكيل الحكومة المقبلة عسيرة وبالخصوص مع الأحزاب الجديدة التي تمثل ناخبين أرادوا معاقبة الأحزاب الكبرى على أنانيتها وتبجحها بالشعبية وكأن أمر البلاد أصبح بيدها بدون منازع . والأحزاب الجديدة جاءت لتمارس السياسة بطريقة جديدة والحد من سياسية التقشف التي أنهكت المواطن الإسباني.
وكذلك هي التحالفات لتتشكيل الحكومة من الصعب تحقيقها بسهولة فلا أحزاب اليسار مجتمعة ولا أحزاب اليمين تستطيع الوصول إلى الأغلبية المطلقة التي تصل إلى 176 مقعد … أما في حالة عدم التوصل إلى تشكيل أغلبية فبل يوم 2 أبريل المقبل فدستوريا سيتم إعادة الإنتخابات.

رغم كل هذا فإسبانيا تجتاز هذا الإمتحان الديمقراطي بنجاح حيث أن دولة المؤسسات تشتغل بشكل طبيعي جدا والبلاد بصفة عامة لا تعاني من أي تعطل إداري أو خدماتي والمواطن يعيش في أمن واستقرار وحريته ومصالحه وجميع حقوقه محفوظة.

أكثر من 100 يوم بدون حكومة ولا شيئ يحدث كل شيئ طبيعي .. لا رصاص، ولا سيوف، ولا قتال، ولا انقلاب .. إنها دولة المؤسسات .. دولة القانون والديموقراطية والحريات والحقوق.. سواء تشكلت الحكومة أم لم تتشكل فلا خوف عليها ولا هم يحزنون.

مصطفى بلال

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares
Close