Uncategorized

هل سيصلح كورونا ما أفسدته الحكومات منذ الإستقلال؟

يعاني الإقتصاد المغربي من كل الأمراض و الإختلالات و التناقضات، فلا يمكن فهم حتى النمودج الدي يصنف فيه، فهو خليط بين الكينيزية التحكيمية والرأسمالية المتوحشة. فهو اقتصاد يغلب عليه القطاع غير المهيكل الذي يشمل جميع الأنشطة وحتى المنظمة بقوانين وحتى الانشطة العقارية والخدماتية.
فجائحة كورونا، جاءت في وقت تسارع فيها الدولة من أجل إعادة صياغة نمودج تنموي جديد بعد إعتراف رسمي ومن أعلى سلطة بفشل النمودج الحالي والذي اعتبره شخصيا “لا نمودج” لان التحولات التي عرفها المغرب اقتصاديا واجتماعيا كانت غير منسجمة بين تحول إجتماعي منقول عن الغرب دون ان يواكبه تحول إقتصادي ملائم و مجاري لهذه التحولات، مما إضطر المواطن المغربي الى تعويض هذا الفارق باللجوء إلى أنشطة غير مهيكلة و خلق قطاعات يتجلى فيها الفساد وخاصة التهريب و القطاع العقاري الذي عرف تطورا كبيرا وخلق أثرياء خارجين عن تغطية الدولة و لا يساهمون في ميزانية الدولة، حيث أصبح المغرب بلد فقير يضم أغنى الأغنياء.
فبعد استقلال المغرب، بدأت الدولة في خلق اقتصاد مستقل و استرجاع الثروات والمؤسسات الإقتصادية التي كان يسيرها المستعمر، و قد استمر ذلك و تم تدعيمه بسياسة المغربة، في التمانينات من القرن الماضي والتي فرضت على كل الشركات الاجنبية إشراك مقاولين مغاربة و بذلك تم خلق برجوازية جديدة ممن استفادوا من هذا البرنامج. وبالفعل عرف المغرب تحولا هاما حتى بداية التسعينات و تقرير البنك الدولي المشؤوم الذي فرض على المغرب تطبيق سياسة تقشفية سميت بسياسة التقويم الهيكلي PAS . ومن الأخطاء الإستراتيجية التي قامت بها حكومة عبدالرحمان اليوسفي ليس الخوصصة في حد ذاتها بل الكيفية التي تم بها تفويت مؤسسات حيوية كانت ممولة بجزء مهم للميزانية العمومية، والخطأ الأفدح في نظري هو عدم استغلال مداخيل الخوصصة في استثمارات مستقبلية بل تم تبديدها في أداء الدين وفي الميزانيات القصيرة الأمد.
و في بداية الألفية الحالية بعد تقلص المداخيل العمومية والتي أصبحت تعتمد فقط على المداخيل الجبائية بنسبة تجاوزت في غالبها 87%, فقد اضطرت الدولة خاصة بعد تقلص مداخيل السياحة و تحويلات مغاربة الخارج، الى بداية التخلص من قطاعات هامة و ضرورية خاصة التعليم العمومي و الصحة العمومية بغرض تقليص النفقات العمومية في ضل عجز الإقتصاد المهيكل عن سد الخصاص والحفاظ على الموازنة العمومية.
وفي نهاية العشرة الأولى من الألفية التانية أصبح الإقتصاد المغربي غير متحكم فيه نظرا لجمعه بين كل التناقضات حيث اصبح القطاع غير المهيكل اكثر انتشارا، و توجه المقاولون الى الاستتمار في قطاعات غير منتجة وخاصة العقار و الخدمات الإستهلاكية كالمطاعم والملاهي الليلية و الوساطة التجارية و استيراد منتوجات فلاحية وغذائية منافسة للمنتوجات المحلية.
و جائحة كورونا وضحت بالارقام أن القطاع الغير المهيكل مازال هو المتفشي و ان نسبة الفقر في المغرب وخاصة في المدن هي كبيرة وأكثر من التوقعات والإحصائيات السابقة. فإذا كان عدد الاجراء المستفيدين من تعويض كوفيد من المستفيدين من الضمان الإجتماعي والذين صرحت بهم الشركات المهيكلة لا يتجاوز 940 ألف مستخدم قانوني، فإن عدد المصرح بأنفسهم والذين ينتمون الى القطاع غير المهيكل او الذين لا يتوفرون على عمل او اي مصدر دخل يتجاوز 6 ملايين اسرة.
وهذه الارقام المحزنة بل الفاضحة للواقع لا تحتاج لاية لجن بل هي ملخص صريح أن إقتصادنا جد مدمر و ان سياساتنا الإقتصادية السابقة هي فاشلة. هذه هي الحقيقة التي يجب على مسؤولي البلد ان يقبلوها ويتعاملوا معها بإيجابية لإعادة استنباط الدروس و تحديد مكامن الضعف و استغلال ما هو إيجابي منها.
اليوم، جائحة كورونا ستعيد الإقتصاد العالمي الى البداية، فالمغرب رغم ذلك تمكن من التحكم في الجائحة عبر توفير كل الضروريات لمدة شهرين و تمكن عبر صندوق كوفيد الذي تم تمويله خارج الإقتصاد الداخلي وخارج الميزانية العمومية المهترئة، وهذا شيء إيجابي من ناحية إنقاذ المغرب من كارثة انسانية، ولكنه سلبي لانه عرى عن واقع الإقتصاد المغربي الذي لا يمكنه مواجهة الكوارث المحتملة.
المهم هو كما قال البعض، لا نريد العودة الى الحياة السابقة التي لم تكن بحد ذاتها عادية، بل يجب جعل نهاية الحجر الصحي هو بداية لمغرب جديد باقتصاد منتج بإمكانه خلق الثروة والتوزيع العادل لها و استعاب يد عاملة وهيكلة كل القطاعات و القطع مع الفساد والربع المتفشي خاصة في المجال العقاري، كما يجب حماية المنتوجات المحلية ومنع استيراد كل ما ينتج محليا او على الاقل دعم المنتوجات المحلية المسموح باستيرادها من اجل رفع التنافسية.
ذ/ عبدالله زمورة
خبير اقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى