Uncategorizedإقتصادمجتمع

الإقتصاد “المتجول” ما قبل و مابعد “كوفيد19”

 

في مجتمعنا المغربي، عندما نستيقظ من نومنا نسمع صياح لعرض منتوجات للبيع منها المنتوجات الغذائية ومنتوجات مواد التنظيف والتجميل و غيرها، وبعد خروجنا للشارع نجد عربات متجولة لعرض الخضر والفواكه وبعض الألبسة الداخلية تجوب الشوارع وتحول ازقة الى أسواق عشوائة، و في طريقنا الى العمل نجد صفوف من عارضي الخدمات المنزلية كالكهربائيين و المرصصين و مصلحي الآليات المنزلية و عاملي الصباغة والبناء يجلسون في الشارع عارضين خدماتهم امام انظار السلطات، وحتى داخل مقرات العمل تعرض علينا سلع من طرف أفراد وتضم غالبا المنتوجات الإلكترونية المنزلية الصغيرة المستوردة من تركيا او الصين.
إنه ما سماه عالم الانتروبولوجيا البريطاني كيث هارت Keith Hart لأول مرة سنة 1971: الإقتصاد غير المهيكل، الذي يضم كل الانشطة الإقتصادية الغير منظمة والغير مصرح بها والخارجة عن سلطة و تأطير الدولة.

فجائحة كوفيد19 فضحت الملحوظ مرئيا والمتغاضى عنه رسميا، أن في الإقتصاد المغربي: القطاع الغير مهيكل هو القاعدة و القطاع المنظم هو الإستثناء. فمن خلال المعطيات الرسمية للمستفيدين من صندوق ضمان كوفيد المصرح بهم في الضمان الإجتماعي فالرقم لا يتجاوز 900 ألف شخص، بينما بلغ عدد المستفيدين من القطاع غير المهيكل 4 ملايين و 700 ألف فرد يعني اكثر خمس مرات من المصرح بهم في القطاع المهيكل.

لا احد يمكن ان ينكر دور القطاع الغير المهيكل في امتصاص عدد مهم من العاطلين عن العمل و دوره في تلبية حاجيات المواطنين وبكلفة أرخص، لكنه يشكل عبئا على الإقتصاد الوطني ومن تداعياته:
– عدم المساهمة في مداخيل الدولة رغم انه يجني ارباحا كثيرة تدوب في جيوب أثرياء القطاع و تذخر خارج القطاع البنكي.
– تأثيره السلبي على المقاولات والمؤسسات المهيكلة حيث ان إنخفاض الكلفة بسبب التهرب الضريبي تجعل التنافسية تكون لصالحه على حساب القطاع المهيكل.
– إضعاف المنتوج الداخلي الخام الدي يتكون من مجموع القيم المضافة للمقاولات والمؤسسات المصرح بها والخاضعة لقوانين الدولة. و كنتيجة لذلك يتأثر المنتوج الفردي للمواطن المصرح به لدى المنظمات العالمية وبجعل بلدنا مصنفا من البلدان الفقيرة رسميا.

فتفشي القطاع الغير المهيكل والذي يعجبني ان أسميه القطاع المتجول, لكون صاحبه يحمل معه بضاعته اينما حل وارتحل حتى لايمكن لاي مراقبة ان تمسه، و هذا يشمل حسب آخر المعطيات كل المجالات:
57,4 % في التجارة وإصلاح الآليات.
20,1 % في المجالات الخدماتية.
17,2 % في المجال الصناعي.
و 5,4 % في مجال البناء.
هذا ناهيك عن القطاع الغير المهيكل الذي يمارس في مجالات ممنوعة قانونيا كالتهريب و تجارة الممنوعات و الدعارة.

فحسب المنظمة العالمية للشغل فإن كلفة القطاع غير المهيكل تصل إلى 46 % من الناتج الداخلي الخام.
فالإقتصاد الوطني يتضرر كثيرا بالقطاع الغير مهيكل مما يجعل سياسات الدولة الإقتصادية والإجتماعية تنبني على معطيات خاطئة وفرضيات غير متحكم فيها. وهذا له أثر سلبي في التوزيع العادل للثروة لان الدولة لاتتحكم سوى في نصف النسبج الإقتصادي.

لحل هذه الإشكالية، كانت سياسات الدولة وما زالت تعتمد على المنظور الجبائي الصرف لمحاربة الظاهرة، مع مراعاة الجانب الإجتماعي و هاجس الثورات الإجتماعية التي مازالت صور البوعزيزي التونسي تخيف الحكومات المتعاقبة.
فبرنامج المقاول الذاتي والذي نقله وزير المالية السابق صلاح الدين مزوار حرفيا عن فرنسا لم يأت بنتائج محمودة، وحتى المسجلين فيه الذين لم يتجاوز عددهم منذ 2015 الى نهاية نونبر الماضي 117 ألف 835 منخرط، ورغم كل التحفيزات فهم لا يصرحون الا بالقليل أو لا يصرحون نهائيا، ليتحول المفاول الذاتي من القطاع الغير المهيكل الى قطاع غير مهيكل داخل القطاع المهيكل.

فجائحة كورونا أبانت ان القطاع الغير المهيكل قوي جدا، حيث بالرغم من إغلاق مؤسسات وشركات كثيرة، إستمر في تمويل السوق وخاصة أسواق القرب بكل انواع المنتجات اليومية الغذائية منها والخدماتية. هذا هو الأمر الواقع والذي يجب ان تتعامل معه الدولة بكل احتياط.

المقاربة التي يجب ان تتبعها الدولة في نظري يجب ان تكون شمولية على المدى المتوسط والبعيد وليست فقط من المنظور الجبائي المحض بل يجب ان يشمل الجانب الإجتماعي والنفسي ومسنوى التعليم والنكوين. واي إصلاح يجب ان يكون تدريجي عبر منح المزيد من الإمتيازات للقطاع المهيكل من اجل تقليص كلفة الإنتاج تحفيز المواطنين على التحول تدريجيا من الممارسة الغير المهيكلة الى الممارسة القانونية والمنظمة.
ولا يجب ان نغفل تشديد المراقبة على القطاع المهيكل وخاصة ماهو إجتماعي ومراقبة الأجور و الحماية الإجتماعي واحترام قوانين الشغل، للتحفيز على الإشتغال في القطاع الخاص والذي يرفضه الكثيرون ممن اختاروا الإشتغال في القطاع الغير المهيكل.

فالإقتصاد والتنمية ليست فقط لغة الأرقام و الإغتناء بل هي أيضا نوع من المواطنة، لهذا يجب التفكير في نمودج الإقتصاد المواطن، الذي يجعل مصلحة الوطن هي المحفز لتنمية الإقتصاد.

عبدالله زمورة
خبير محاسباتي واقتصادي

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares
Close